ختان الإناث في الوطن العربي لا يزال يمارس رغم تراجع نسبه في بعض الدول، وهو جريمة تتوارثها الأجيال تحت غطاء الشرف، بينما تدفع النساء الثمن من أجسادهن وكرامتهن.
على الرغم من أن الإحصاءات الحديثة تؤكد تراجع نسبة الختان في مصر، إلا أن أجيالًا كاملة من النساء دفعن ثمن تلك الجريمة باسم الشرف.
وفقاً لنتائج المسح الصحى للأسرة المصرية 2021، الصادر من الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، تراجع معدل الختان بين السيدات ليصل إلى 86% فى عام 2021 مقارنة بحوالى 92% فى عام 2014. ومن ناحيتي كصحفية متخصصة في قضايا المرأة وشاهدة عيان، يمكنني القول إن ختان الإناث في جيلي جيل الثمانينات تقريبًا 99% من المصريات.
لذلك لا عجب عندما تحتل مصر المرتبة الأولى عالميًا في تطبيب الختان، أي يقوم به أطباء وممرضين.
تطبيب ختان الإناث : لماذا ينقله المجتمع إلى الأطباء؟
لكن دعوني أوضح لكم لماذا تطبيب الختان؟ سابقًا كان حلاق الصحة أو أي شخص يمكن أن يمتهن “الختّان”. على سبيل المثال في المنطقة التي نشأت فيها، كان هناك رجلا يدعى “مسعد” هو الشخص الوحيد المسئول عن تختين الذكور والإناث على حد السواء. ويوجد الآلاف من مسعد في كل منطقة شعبية أو متوسطة وفي كل قرية وفي كل نجع بأنحاء جمهورية مصر العربية.
حتى منتصف الثمانينات كان حلاق الصحة هو المسئول عن تختين الذكور والإناث بشكل أساسي، والسبب أن غالبية النساء اعتادن الولادة على يد القابلة بالمنزل، سواء كانت الولادة طبيعية أو متعسرة. وبالتالي حلاق الصحة ملك التختتين.
بدأ حلاق الصحة ينسحب البُساط من تحت أقدامه مع بداية انقراض مهنة القابلة. فعندما بدأت النساء يلدنّ في المستشفيات اكتشفنّ أن الختان يمكن أن يكون على يد طبيب الأطفال بالنسبة للذكور. لأننا كمجتمع مصري مجتمع ذكوري جاء تفضيل تختين الذكور على يد طبيب حفاظًا على أعضائهم التناسلية، واهتمامًا بصحتهم الإنجابية ليس أكثر.
من هنا بدأ تطبيب الختان كنوع من التمييز. وفي المقابل اقتصر تختين الإناث على حلاق الصحة حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي.

الموروث الاجتماعي في فرض الختان
سمعت من إحدى النساء المصريات المؤيدة للختان من قبل، أنه عِفّة للمرأة. حيث إن ابنة عمها غير المختنة كانت مستثارة جنسيًا لدرجة أنها كانت تمزح مع أبناء عمها باليد. حينها قرر العم كبير العائلة تختين ابنة أخيه البالغة من العمر عشرون عامًا. ضاربًا عرض الحائط برغبة أبيها وأمها، حفاظًا على شرف بنات العائلة باتباع التقاليد. هكذا يدفع الموروث الإجتماعي من العادات والتقاليد إلى ختان الإناث في الوطن العربي تحت مسمى الحفاظ على الشرف والعفة.
أنواع ختان الإناث في الدول العربية
جدير بالذكر أن عملية اختان الإناث في مصر، تكون عن طريق بتر عضو البظر من الجهاز التناسلي للمرأة. وهو العضو الجنسي المسئول بشكل رئيسي عن الاستثارة الجنسية وبلوغ النشوة.
لكن السودان تشتهر بما يسمى بـ”الختان الفرعوني”. حيث تم فيه بتر البظر والشفرتين، مع خياطة الفتحة المهبل بما يسمح بنزول البول ودم الحيض فقط. وهذا النوع من الختان يسبب للفتاة العديد من الأمراض الجنسية على رأسها الالتهابات المهبلية المزمنة.
جدير بالذكر أيضًا، أن 88% من السودانيات خضعنّ للختان، على أيدي عاملين بوزارة الصحة. أي تشتهر السودان الآن بتطبيب الختان.

أرقام صادمة: إحصاءات الختان بالوطن العربي
وفقًا لتقارير الأمم المتحدة واليونيسف، لا تزال الأرقام صادمة. ففي مصر مثلًا، ورغم تراجع المعدلات إلى 86% عام 2021 بعد أن كانت تتجاوز 92% في 2014، إلا أن النسبة بين نساء جيلي الثمانينات تكاد تقترب من 99%. أما في الصومال، فما تزال النسبة الأعلى عالميًا، إذ تصل إلى 98% بين الفتيات، ويمارس في الغالب النوع الثالث المعروف بالختان التخييطي. وفي السودان، تخضع 88% من النساء للختان، وغالبًا يتم عبر عاملين في القطاع الصحي، وهو ما يعرف بتطبيب الختان.
من ناحية أخرى، تكشف البيانات عن تفاوت كبير بين الدول، بل التفاوت يحدث في المناطق داخل الدولة الواحدة. فعلى سبيل المثال في اليمن تصل النسبة إلى 18.5% فقط، بينما تقفز في بعض مناطق عُمَان إلى أكثر من 95%. كذلك تتراوح المعدلات في السعودية بين 18% في جدة و80% في الحائل، أما العراق فيسجل معدلًا أقل يبلغ 7.3% في المناطق الكردية.
وتشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن 50 مليون امرأة وفتاة عربية تعرضن للختان بالفعل، وهو ما يعادل ربع الحالات عالميًا. الأسوأ أن التوقعات تشير إلى تعرض 68 مليون فتاة لخطر الختان بحلول عام 2030، أي بمعدل 4.4 مليون حالة سنويًا إذا استمرت الممارسات الحالية دون تغيير جذري.
ازدواجية المعايير تجاه المرأة المختنة
ورغم كل هذه الحقائق، تظل المرأة المختنة تواجه ظلمًا مضاعفًا. فمن ناحية، ينظر إليها اجتماعيًا باعتبارها “محمية” من الانحراف، وكأن جسدها ملك للجماعة وليس لها. ومن ناحية أخرى، حين تكبر وتدخل في علاقة زوجية، كثيرًا ما يلومها الزوج على “برودها” أو صعوبة استجابتها، لدرجة أنه قد يكون هذا سببًا لطلاقها.
فكثيرًا ما وصلتني رسائل من القراء الرجال يؤكدون أنهم يريدون تطليق زوجاتهم، لأنها “مختنة”، فينعتونها بالباردة كالثلج. وهناك بعض الرجال يتزوجون على زوجاتهم امرأة أخرى كي يستمتعون جنسيًا، ويبرر المجتمع لهم التعدد من أجل الاستمتاع الجنسي، أي أن المجتمع نفسه الذي فرض عليها الختان باسم الشرف، هو ذاته الذي يحاسبها لاحقًا على عواقبه.
هذه الازدواجية لا تؤذي جسد المرأة فحسب، بل تكسر صورتها الذاتية وتزرع في داخلها شعورًا بالذنب الدائم. وبينما يقدَّم ختان المرأة العربيه باعتباره حماية، يثبت الواقع أنه أداة للسيطرة على النساء وإلقاء اللوم عليهن في كل الحالات. وهنا يصبح السؤال: إلى متى ستظل المرأة تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها؟
الخلاصة: ختان الإناث جريمة
في النهاية، لا يمكننا النظر إلى ختان الإناث في الوطن العربي، إلا باعتباره جريمة جنسية وطبيّة ترتكب في حق الفتيات بأسماء زائفة مثل الشرف أو العفة.
وبينما تظهر الأرقام أن ملايين النساء في العالم العربي ما زلن يعانين من هذه الممارسة، فإن التغيير الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الختان ليس قدرًا محتومًا، بل انتهاك لحق أساسي في الجسد والكرامة. لذلك، يصبح من الضروري أن تتكاتف المؤسسات الدينية، التعليمية، والإعلامية جنبًا إلى جنب مع القوانين الصارمة، والأهم تفعيل القوانين دون تباطؤ أو تواطؤ، لتفكيك هذه الثقافة المتجذرة. وحده الوعي المجتمعي قادر على كسر دائرة الخوف، ومنح الفتاة العربية مستقبلًا مختلفًا، يكون فيه جسدها لها وحدها، بلا وصاية أو انتقاص.
والآن شاركينا رأيك في التعليقات، مع أو ضد ختان الإناث في الوطن العربي ولماذا؟
للمزيد من مقالات رئيسة التحرير فادية عبود .. تابعي باب “مقالات” بموقعنا “سوبر إيف”.




































































