المرأة المصرية الآن لم تعد كما نعرفها. فاللجان الإلكترونية تعيد تشكيلها حسب فئتها الاجتماعية. حيث تصنفها كبطلة شعبية حسب قدر المال الذي تدفعه هي للحفاظ على صورتها العامة بما يتوافق مع شهرتها.
لسنوات طويلة كانت تُرى المرأة المصرية، في الإعلام كمجرد دور اجتماعي: الأم، الزوجة، أو حتى الضحية. لكن في زمن السوشيال ميديا، ومع تصاعد تأثير اللجان الإلكترونية، بدأنا نلاحظ تحوّلًا غريبًا في تمثيل المرأة المصرية الثريّة ذات الشهرة الواسعة. هذه الفئة من صاحبات الياقات البيضاء لا يُعرضنّ على مواقع التواصل الاجتماعي كصاحبات مشاكل ضحايا أو ناجيات. بل يظهرهن “الترند” أبطالا شعبية. كما هو الحال في طلاق المذيعة الشهيرة لميس الحديدي، واكتشاف خيانة زوج الممثلة لقاء الخميسي.
نوع جديد من القولبة السلبية
هنا يتجلى نوع جديد من القولبة مع رسائل خفية أنتِ قوية وتظهرين ترند طالما أنك تدفعين ثمنه لصفحات السوشيال ميديا. علاوة على بعض المؤثرين، لترسمين صورة تكيد شريكك وتنهال عليه الشتائم لفعلته الحمقاء. علاوة على ذلك. هذا الثمن المدفوع أغلى بكثير من أتعاب أكبر محامي في مصر وهنا تأتي قاعدة الحرب الجديدة في قضايا الأسرة من يدفع أكثر ينتصر جماهيريا ويصبح بطلا شعبيًا.
لقد أصبحت المرأة المصرية في السوشيال ميديا أداة في يد من يملكون الصوت الأقوى. سواء كانوا داعمين أو محبطين. وفي سياق متصل، تظهر بطولات تُصنع في يوم، وتُلغى في اليوم التالي. وذلك بناءًا على سردية تنشرها اللجان الإلكترونية، وتعيد مشاركتها آلاف الحسابات، دون أن يسأل أحد: هل هذه هي الحقيقة؟ أم مجرد صورة أخرى تُضاف إلى أرشيف من القولبة المجتمعية القديمة، لكن بأدوات رقمية جديدة؟
ولا أخفيكم سرًا، ففي الوقت الذي تُرفع فيه بعض النساء إلى مصاف “المرأة القوية” فقط لأنها ظهرت مبتسمة بعد الطلاق. هناك نساء حقيقيات، معيلات، مجهولات، يخضن معاركهن اليومية في صمت. مضطرات إلى استمرار الكفاح من أجل النفقة، والاحترام، و”حق البقاء”، داخل ممرات محكمة الأسرة في مصر، دون ترند أو منصة أو جمهور.
الآن، أكتب إلكنّ هذا المقال بصفتي صحفية وخبيرة في التواصل الاعلامي، تعرف كيف يدار الاعلام من الداخل وكيف تدار حملات السوشيال ميديا والمؤثرين. لكني في الأساس متحيزة لحقوق المرأة المهمشة. لذا هذا المقال مكتوب بأيدي شاهدة عيان على الواقع في محاولة لكشف هذا التناقض بين الصورة والواقع. بين البطولات المصنوعة، والمرأة المصرية بعد الطلاق والخيانة، كما نراها في الشارع والمجتمع، لا كما تُروّج لها اللجان الإلكترونية.
فما الذي حدث لصورة المرأة المصرية؟ ومن يعيد تشكيلها بطبقية؟ وهل نحن كأفراد مجتمع نصدق الحقيقة أم نشارك في صناعتها المزيفة؟

حين تُخلق البطولات داخل اللجان الإلكترونية
بصفتي صحفية ذات خبرة 22 عامًا في حقوق وقضايا المرأة، اعتادتُ الكتابة عن البطولات النسائية في مجالات معينة مثل الابتكار العلمي، البطولات الرياضية، أو حتى ريادة الأعمال. ومع ذلك بطولة مواجهة العالم بعد الطلاق بابتسامة فهذه بطولة إعلامية واجتماعية لم أسمع عنها من قبل. ولنكن منصفين هذه تسمى “روح الناجية” من زيجة سامة، أو المحاربة التي ليس لديها رفاهية البكاء حتى لا تتوقف حياتها تحت أقدام رجل هجرها. وإذا أردنا أن نكون منصفين أكثر، فهذه سمة أساسية في كل امرأة مصرية أصيلة واعية، وليست بدعة جديدة أو بطولة تصطفي امرأة بعينها لتسند إليها.
هنا أنا لا أقلل من تماسك المرأة المصرية وحكمتها في إدارة حياتها. بل أعيد تعريف البطولة الشعبية وأعيد الصورة الذهنية للمرأة المصرية الحقيقية. حتى لا ننساها وسط ترف شراء أبواق “السوشيال ميديا” بما أنها الأكثر سيطرة على الوعي الجمعي الآن.
بطولات إلكترونية
في الواقع، إن البطولات المصنوعة اليوم تُدار كحملات إعلانية. من يملك فريقًا جيدًا من المؤثرين، وصفحات لديها مئات آلاف المتابعين، ومحررين يعرفون كيف يختارون الكلمة المؤثرة التي تصنع “الترند”، يستطيع أن يُخرج من خيانة زوجية مادة دسمة للتعاطف، ومن الطلاق حدثًا ملهمًا، دون زرف دمعة واحدة على الهواء أو في الخفاء.
هنا لا تكون البطولة في “النجاة”، بل في “الإبهار”، في السيطرة على الرأي العام. وكذلك كسب المعركة الجماهيرية. وهذا ما تُجيده اللجان الإلكترونية، حين تُجنّد ردودًا جاهزة، و”ميمز” ساخرة، ومنشورات مستنسخة تتكرر كما لو كانت تصدر من غرفة عمليات واحدة.
هكذا يا صديقتي تُخلق الصورة الجديدة لـ المرأة المصرية الثريّة. إنها امرأة لا تبكي، بل تكيد. لا تنكسر، بل تنتصر عبر شاشات الهواتف. ليست فقط ضحية، بل ناجية ذات تأثير جماهيري. بينما هذه الصورة قد تبدو إيجابية من الخارج، لكنها في الحقيقة، تُقصي آلاف النساء الأخريات من مشهد البطولة، فقط لأنهن لا يملكن ثمن الظهور.
الترند لا يُنصف بل يُعيد القولبة
الإعلام الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن يومًا مساحة محايدة للمرأة المصرية. بل كان دائمًا مرآة مشروطة تعكس ما يريده النظام الاجتماعي. وكذلك ما تسمح به اللحظة السياسية، وما يُطلب تجاريًا. حين تتقدم المرأة في “ترند”، نادرًا ما يكون تقدمها ناتجًا عن استحقاق حقيقي، بل غالبًا ما يكون مشروطًا بإطار معين: مظهرها، خطابها، وظيفتها داخل القصة التي يرويها “الترند” عنها.
الآن، مع وجود السوشيال ميديا وتفوقها في صناعة الانطباعات، بات الإعلام التقليدي نفسه يركض خلف ترند “المرأة القوية” أو بمعنى أصح “المرأة الغنية” الذي صنعته اللجان الإلكترونية ومؤثرو مواقع التواصل. لم تعد البرامج تنتظر لتغطية الحقيقة، بل أصبحت تنتج نسخة منها “بسرعة وسيناريو”، تُسوَّق كما تُسوّق الإعلانات.
خطورة صناعة الترند
الأخطر أن “الترند” اليوم يُعيد قولبة المرأة المصرية وفقاً لمعايير جديدة. لكنها لا تقل اختزالاً عن القديمة. من ناحية أخرى بعد أن كانت المرأة المصرية تُختصر في “ضحية”، أصبحت تُختصر في “الناجية الناجحة”. كأن المرأة لا تستحق التعاطف أو الإنصات إلا إذا خرجت من التجربة بـ”إطلالة واثقة” ومشروع جديد.
هذا ليس إنصافًا، بل صوت عالي يقول المرأة الناجية التي لا تملك المال الوفير لا تستحق تسليط الضوء على تجربتها المؤلمة. وهو ما يزيد من فجوة التمثيل بين المرأة التي تظهر، والمرأة التي تصمت. بين من تملك القدرة على تلميع حكايتها، ومن تُترك تحارب وحدها في صمت، داخل بيت الأسرة أو أروقة المحاكم. وإن كانت المرأة الثانية هي الأكثر تواجدًا في المجتمع. فمن لا تملك المال لا تملك الدعم المجتمعي.

شهادات من محكمة الأسرة: نساء بلا ترند
لم أكتب هذا المقال من خلف مكتب مكيف أو استوديو أنيق، بل من سنوات طويلة قضيتها كصحفية متخصصة في قضايا المرأة أمضت وقتًا بين جدران محكمة الأسرة في مصر أكثر من الوقت الذي أمضته في مكتبها. لا أستطيع أن أحصي عدد الجلسات التي حضرتها، ولا عدد القصص التي سمعتها. لكني لا أنسى أبدًا الوجوه، وجوه نساء لا يعرفهن أحد، ولا تُروى حكاياتهن في منصات التواصل الاجتماعي، لأنهن لا يملكن سعر “الترند”، بل يدفعن الثمن من أعمارهنّ في هيئة قضايا مؤجلة، وأعمار مُهدَرة.
رأيت أستاذات جامعيات، طبيبات، موظفات بسيطات، جميعهن واقفات أمام القاضي يطالبنّ بفقة صغارهنّ، الحضانة، الطلاق، أو الأمان من زوج انتهك أموالها وعنّف جسدها. كلهن كلهنّ على قدرٍ عالٍ من الكفاءة، من ناحية أخرى تمثيلهن في ترندات مواقع التواصل الاجتماعي يكاد يكون منعدم. ببساطة لأنهن لا يملكن ترف التحكّم في سردية قصصهن.
إحداهنّ قالت لي مرةً بابتسامة منكسرة: “أنا بتطلق علشان جوزي بيضربني وياخد مرتبي يصرفه على المخدرات ومش بلاقي أجيب أكل لأولادي”، وكانت هذه الجملة كافية لتنهي أي أسئلة محتملة أخرى. لا بطولات مصنوعة، لا مؤثرين، لا دعم إلكتروني، فقط سيدة مصرية، موظفة، خريجة جامعة، تحمل على كتفيها حياتها وأطفالها، وتحاول أن تحافظ على كرامتها في مواجهة قانون تطول حباله ونفقاته، ومجتمع لا يسمع، و”ترندات” لا ترى إلا من تدفع فقط.
هؤلاء النساء لا يحتجن حملات دعم، بل يحتجن عدالة. لا يحتجن كاميرات، بل قلوبًا صادقة تُدرك أن ما لا يُرويه الترند هو الأهم، والأصدق، والأحق بالضوء.
صديقتي التي حاربت بابتسامتها
من بين كل القصص التي مرّت عليّ، تظل حكاية صديقتي الأقرب إلى قلبي، لأنها ببساطة لم تكن قصة صحفية أرويها، بل تجربة شخصية عشت تفاصيلها يومًا بيوم. لم تتجاوز ال 22 عامًا عندما طردها زوجها من منزل الزوجية، وهي حامل في شهرها السابع. ذلك دون أي اعتبار لإنسانيتها، أو خوفها، أو تعبها.
عادت إلى بيت أهلها تحمل الخوف أكثر من معاناة الحمل. عادت بعبئًا ماديًا مضاعفًا لا تتحملة بسهولة أسرة مصرية متوسطة الدخل لديها أبناء آخرين في مراحل تعليمية مختلفة. عانت صديقتي في أروقة محاكم الأسرة تطلب الطلاق للضرر والنفقة لمدة عام ونصف وعندما يأست توجهت إلى الخلع وبالتالي تنازلت عن حقوقها. ولكنه كان الطرق الأقصر للخلاص من تلك العلاقة السامة التي كانت تضرب فيها وسط صمت وخوف منها متخيلة أنها الطريقة الأمثل لتحافظ على بيتها من الخراب.
في الوقت نفسه كانت تعي صديقتي أن فترة انفصالها دون طلاق في منزل أهلها ما هي إلا فترة إعداد لها، وبعد أن أتم طفليها التوأم 6 أشهر واجهت سوق العمل لأول مرة في عمرها بابتسامة عريضة. هذه الفتاة أبت أن تكون عبئًا إضافيًا على أهلها، قررت أن تستمر الحياة، كما أصرت أن تهيئ عالمًا أفضل لطفليها اللذان جاءوا إلى الحياة بلا أب.
في كل مرة كانت تخرج صديقتي من بيتها، كانت تضع ابتسامة عريضة على وجهها، تخفي بها الطعنة. لم تكن تضحك، بل كانت تتسلّح. لم يكن لديها جمهور، ولا مؤثرون، ولا غرفة عمليات تصنع منها بطلة، لكنها كانت، وما زالت، أقوى من كثيرات ظهرنّ كأيقونات على شاشات الموبايلات.
لقد كانت صورتها البسيطة، كأم شابة عاملة، مكافحة، تعيل طفليها، هي المعنى الحقيقي لـ المرأة المصرية. لا بطولة مصنوعة، ولا قصة مموّلة. فقط كرامة مصانة، وعزيمة لا تُشترى بمال.
الخلاصة: المرأة المصرية لا تحتاج ترند يبرز قوتها
في النهاية، المرأة المصرية لا تنتظر “ترند” يبرز قوتها. هي لم تكن يومًا مادة للعرض، ولا حكاية يُعاد صياغتها على أيدي مؤثرين. إن قوتها لا تُقاس بعدد المشاركات ولا عدد المتابعين، بل بقدرتها على النهوض، والاستمرار، والحفاظ على ما تبقى من كرامتها وسط معركة اجتماعية غير عادلة.
من تقف في طابور محكمة الأسرة، وتحمل وليدها على ذراع وتقريرًا طبيًا في اليد الأخرى، لا تسأل عن مساحة إعلامية ولا عن هاشتاج يتصدر.
من تكدّ في عملها بعد طلاق قاسٍ، ولا تملك إلا ثمن المواصلات اليومية، ليست أقل شجاعة ممن تصدّرت قائمة الترند لابتسامة بعد الخيانة.
كل امرأة مصرية تكمل حياتها بعد الانكسار، فهي بطلة لكن الحقيقة أنها اعتادت التهميش.
كل امرأة تُربّي طفلها وحيدة، تعمل وتصمت وتُحارب، هي امرأة عظيمة، وإن لم تعرفها الكاميرات.
إن إعادة تمثيل المرأة المصرية عبر اللجان الإلكترونية لا يصنع بطلة، بل يُقصي بطلات حقيقيات من المشهد.
إننا، كإعلام وصحافة ومجتمع مدني، مدعوون اليوم أن نُعيد تسليط الضوء، لا على الصور المُلمعة، بل على الحقيقة التي تعيشها ملايين النساء في صمت.
وأخيرًا أذكركنّ وأذكر نفسي إن البطولة لا تُصنع، بل تُعاش. وكذلك الحقوق لا تمنح بل تنتزع. دُمتنّ أبطال قصصكنّ.
الآن شاركينا رأيك بصراحة في التعليقات:
هل أصبحت القوة الحقيقية للمرأة المصرية تُقاس بعدد مشاركات منشور؟
وهل ترين أن “الترند” يسلّط الضوء على قصص حقيقية، أم يُقصي التجارب الأصدق؟
شاركي المقال مع صديقاتك لرفع الوعي. كوني سببًا في توصيل صوت كل امرأة لا تمتلك جمهورًا.
فادية عبود
رئيس تحرير موقع سوبر إيف







































































